المقريزي

169

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

فمرض عقيب ذلك ومات ليلة الجمعة الرابع من شعبان ، فأظهر السلطان لموته جزعا مفرطا وحزنا زائدا ، وصرخ بأعلى صوته واولداه ، ورمى كلوتته عن رأسه إلى الأرض وبقي مكشوف الرأس إلى أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرأس يصرخ واولداه ، فعندما عاينوه كذلك ألقوا كلوتاتهم عن رؤوسهم وبكوا ساعة ، ثم أخذ الأمير طرنطاي النائب شاش السلطان من الأرض وناوله للأمير سنقر الأشقر ، فأخذه ومشى وهو مكشوف الرأس ، وباس الأرض وناول الشاش للسلطان ، فدفعه وقال : أيش أعمل بالملك بعد ولدي ، وامتنع من لبسه ، فقبّل الأمراء الأرض يسألون السلطان في لبس شاشه ، ويخضعون له في السؤال ساعة حتى أجابهم وغطى رأسه ، فلما أصبح خرجت جنازته من القلعة ومعها الأمراء من غير حضور السلطان ، وصاروا بها إلى تربة أمه المعروفة « 1 » خاتون ، قريبا من المشهد النفيسيّ ، فواروه وانصرفوا ، فلما كان يوم السبت ثانية ، نزل السلطان من القلعة وعليه البياض تحزنا على ولده ، وسار ومعه الأمراء بثياب الحزن إلى قبر ابنه وأقيم العزاء لموته عدّة أيام . خان السبيل : هذا الخان خارج باب الفتوح ، قال ابن عبد الظاهر : خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين أبو سعيد قراقوش بن عبد اللّه الأسديّ خادم أسد الدين شيركوه ، وعتيقه لأبناء السبيل والمسافرين بغير أجرة ، وبه بئر ساقية وحوض . و قراقوش هذا : هو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما ، وبنى قلعة الجبل ، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام ، وعمر بالمقس رباطا ، وأسره الفرنج في عكا وهو واليها ، فافتكه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعشرة آلاف دينار ، وتوفي مستهل رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، ودفن بسفح الجبل المقطم من القرافة . خان منكورش : هذا الخان بخط سوق الخيميين بالقرب من الجامع الأزهر . قال ابن عبد الظاهر : خان منكورش بناه الأمير ركن الدين منكورش زوج أمّ الأوحد بن العادل ، ثم انتقل إلى ورثته ، ثم انتقل إلى الأمير صلاح الدين أحمد بن شعبان الأبلي . فوقفه ، ثم تحيل ولده في إبطال وقفه ، فاشتراه منه الملك الصالح بعشرة آلاف دينار مصرية ، وجعله مرصدا لوالدة خليل ، ثم انتقل عنها . انتهى . قال مؤلفه : ومنكورش هذا كان أحد مماليك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وتقدّم حتى صار أحد الأمراء الصالحية ، وعرف بالشجاعة والنجدة ، وإصابة الرأي وجودة الرمي وثبات الجأش ، فلما مات في شوّال سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، أخذ إقطاعه الأمير ياركوج الأسديّ ، وهذا الخان الآن يعرف بخان النشارين ، على يسرة من سلك من الخراطين إلى الخيميين ، وهو وقف على جهات برّ .

--> ( 1 ) بياض في الأصل .